قصة البصرة

هذا تاريخ البصرة كما يُروى من أوله: الأرض التي سبقتها، والمعسكر الذي صار مدينة، والقرون التي كانت فيها عاصمة للعلم وميناءً للدنيا، ثم القرون التي ضاقت فيها حتى انتقلت من موضعها، فالعثمانيون والإنجليز والنفط والحروب، وصولًا إلى اليوم. يُقرأ من أوله إلى آخره، أو يُفتح على أي باب من الفهرس. والأرقام الصغيرة في المتن تحيل إلى المصادر في آخره، وما تحته خطّ منقّط تجد شرحه في المعجم.

الأبواب
تمهيد وخمسة عشر بابًا وخاتمة، في ثلاثة أجزاء
المدى
من القرن الرابع قبل الميلاد إلى اليوم
القراءة
نحو أربعين دقيقة

الجزء الأول

المدينة الأولى

قبل ٦٣٦ – ١٢٥٨

من موانئ الخليج القديمة إلى سقوط بغداد: ستة قرون كانت فيها البصرة، على حافة البادية، من أكبر مدن العالم وأغناها علمًا وتجارة.

تمهيد

٣٢٤ ق.م – ٦٣٥م

  1. ٣٢٤ ق.مالإسكندر يأمر ببناء مدينة قرب مصبّ دجلة
  2. القرن ٢ ق.مهسباوسينس يجدّد المدينة، فتُعرف بخاراكس
  3. ١١٦مالإمبراطور تراجان يبلغ الخليج
  4. ٦٣٣مخالد بن الوليد يقاتل الفرس قرب الأبلّة

أرض الهند

قبل أن تكون البصرة كان الماء. كان دجلة والفرات يبلغان البحر في أرض واطئة من المستنقعات والسباخ، يتغيّر فيها مجرى النهر وخطّ الساحل من قرن إلى قرن، ويتقدّم فيها اليابس نحو الخليج بما يحمله النهران من طمي. وعلى هذه الحافة بين النهر والبحر قامت منذ القديم موانئ تأتيها السفن من الهند، وتخرج منها القوافل إلى الشام وفارس.

يذكر الكتّاب الإغريق ميناءً اسمه تيريدون قرب مصبّ الفرات، ثم يذكرون مدينة أمر الإسكندر ببنائها قرب مصبّ دجلة قُبيل موته، وسُمّيت باسمه. جرفتها الفيضانات، فأعاد بناءها حاكم محلي اسمه هسباوسينس في القرن الثاني قبل الميلاد، فصارت تُعرف بخاراكس هسباوسينو، أي «حصن هسباوسينس»، وعاصمةً لمملكة صغيرة يسمّيها المؤرخون ميسان، عاشت على التجارة بين الهند وتدمر.

وفي سنة ١١٦ للميلاد بلغ الإمبراطور الروماني تراجان هذه الأرض في حربه على الفرثيين. ويروي المؤرخ ديو كاسيوس أنه وقف على شاطئ الخليج، ورأى سفينة تُبحر نحو الهند، فقال إنه لو كان شابًّا لعبر إليها هو أيضًا. ولم يبلغ جيش روماني بعده هذا الموضع.١

ثم صار الميناء الأهم في عهد الساسانيين هو الأبلّة، على نهر يصلها بدجلة، قرب موضع البصرة الحديثة. كانت ثغر فارس إلى الهند، فيها حامية وتجار وسفن. وتروي كتب الفتوح أن العرب كانوا يسمّون تلك الأرض «أرض الهند»، لكثرة ما يأتيها من الهند.٢

وفي سنة ٦٣٣، في أول حروب المسلمين مع الفرس في العراق، قاتل خالد بن الوليد حامية فارسية قرب الأبلّة في المعركة التي تسمّيها الروايات «ذات السلاسل». لكن الأرض لم تستقر للمسلمين إلا بعد سنوات، حين جاءها جيش صغير من المدينة المنوّرة يقوده رجل اسمه عتبة بن غزوان.

إلى الفهرس

الباب الأول

٦٣٥–٦٥٦

  1. ١٤هـ / ٦٣٥عتبة بن غزوان ينزل الخريبة
  2. ١٧هـ / ٦٣٨أبو موسى الأشعري واليًا
  3. ٢٩هـ / ٦٤٩عبد الله بن عامر واليًا، والفتوح نحو فارس وخراسان

الخُرَيبة: معسكر على حافة البادية

أرسل عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان في بضع مئات من الرجال ليقطع على الفرس طريقهم من الأبلّة، وأوصاه، كما تروي الأخبار، أن ينزل في موضع لا يحول بينه وبين المدينة ماء. فنزل عتبة على حافة البادية، في أرض يابسة تشرف على السباخ والنهر، عند خرائب قديمة سُمّي الموضع بها «الخُرَيبة». وكان ذلك سنة ١٤ للهجرة في أشهر الروايات، وقيل سنة ١٦ أو ١٧.٢

وسُمّيت المدينة «البصرة» باسم أرضها. يقول ياقوت الحموي إن البصرة في كلام العرب الأرض الغليظة، وقيل الحجارة الرخوة المائلة إلى البياض، وكانت أرض المعسكر كذلك.٣

بنى الجند بيوتهم من القصب، وبنوا مسجدهم من القصب، وكانوا إذا خرجوا إلى الغزو نزعوا القصب وحزموه حتى يعودوا. ثم شبّت فيه النار مرة بعد مرة، فبنوا . وكان المسجد في وسط المعسكر، وإلى جانبه دار الإمارة، ومنهما تتفرّع الطرق إلى منازل القبائل.

نزلت كل قبيلة في خطّة لها، ثم انتظمت القبائل في خمسة أقسام سُمّيت «الأخماس»: أهل العالية من قريش وقبائل الحجاز، وتميم، وبكر بن وائل، وعبد القيس، والأزد. وبقيت الأخماس قرنًا من الزمن أساس الجيش والديوان والسياسة في المدينة، ومن تنافسها خرجت كثير من فتنها.٤

ولم يكن في الخريبة ماء عذب قريب، فشكا الناس ملوحة الماء حتى حُفرت لهم الأنهار. أشهرها نهر الأبلّة، الذي يصل المدينة بالأبلّة والشط، ونهر معقل، المنسوب إلى الصحابي معقل بن يسار، وعنه قالت العرب: «إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل». ومن هذين النهرين تفرّعت جداول كثيرة، وقامت عليها البساتين، وبدأت البصرة تأخذ الوجه الذي ستُعرف به: مدينة الماء والنخل.

ومن البصرة خرجت الجيوش شرقًا. فتح أبو موسى الأشعري، واليها في عهد عمر، الأهواز وتُستر، وفتح عبد الله بن عامر، واليها في عهد عثمان، فارس، ومضى إلى خراسان. فصارت المدينة الصغيرة على حافة البادية قاعدة نصف المشرق الإسلامي: إليها تعود الغنائم، وفي ديوانها يُسجَّل العطاء، ويتضاعف أهلها في سنوات قليلة.

إلى الفهرس

الباب الثاني

٦٥٦–٧٥٠

  1. ٣٦هـ / ٦٥٦موقعة الجمل عند الخريبة
  2. ٤٥هـ / ٦٦٥زياد بن أبيه واليًا على البصرة
  3. ٧٥هـ / ٦٩٤الحجاج بن يوسف واليًا على العراق
  4. نحو ٨٣هـ / ٧٠٢بناء واسط بين البصرة والكوفة

الجمل وولاة بني أمية

بعد مقتل عثمان سنة ٣٥ للهجرة قصدت عائشة أم المؤمنين، ومعها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، البصرةَ يطلبون دم عثمان، فدخلوها. وجاء علي بن أبي طالب في جيش، والتقى الفريقان عند الخريبة سنة ٣٦ (٦٥٦م). سُمّيت المعركة «الجمل» لأن القتال اشتد حول الجمل الذي كانت عليه عائشة في هودجها. وقُتل فيها طلحة، وقُتل الزبير وهو منصرف عنها، فدُفن في الموضع الذي قامت عليه بعدُ بلدة الزبير.٥

كانت أولى الحروب بين المسلمين، وبقيت ذكراها حيّة في المدينة. ومال كثير من أهل البصرة زمنًا طويلًا إلى عثمان، في حين صارت جارتها الكوفة مدينة علي وأنصاره. ومن هذا الافتراق بدأت منافسة بين المدينتين ستمتد قرونًا، في السياسة ثم في النحو والفقه والشعر.

وفي عهد معاوية جاء البصرةَ زياد بن أبيه واليًا سنة ٤٥ للهجرة، فخطب في مسجدها خطبته المعروفة بـ«البتراء»، لأنه لم يبدأها بالحمد، وتوعّد فيها من يخرج ليلًا ومن يدعو بدعوى الجاهلية. أعاد بناء المسجد بالآجرّ والجصّ وسقفه بخشب ، ونظّم الديوان والشرطة، ثم ضُمّت إليه الكوفة فصار أول من حكم المصرين معًا. وفي أيامه نُقلت عشرات الآلاف من أسر البصرة والكوفة إلى خراسان، فحملت معها عربيتها وأنسابها إلى أطراف آسيا الوسطى.

وبعد موت يزيد بن معاوية سنة ٦٨٣ خرج أهل البصرة على واليه عبيد الله بن زياد، وبايعوا عبد الله بن الزبير، فحكمها أخوه مصعب. وفي هذه السنوات المضطربة خرج من البصرة الخوارج الأزارقة، أتباع نافع بن الأزرق، فشغلوا جنوب العراق وفارس سنوات، حتى تولّى حربهم المهلّب بن أبي صفرة، زعيم الأزد في البصرة، ومن بيته خرج ولاة وقادة كثيرون عُرفوا بآل المهلّب.

ثم عاد العراق إلى بني أمية، وجاءه الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا سنة ٧٥ للهجرة. حكم بالشدة، ولما ثار عليه عبد الرحمن بن الأشعث ودخل البصرة، وانضم إليه كثير من قرّائها وفقهائها، هزمه الحجاج في دير الجماجم. ثم بنى مدينة واسط بين البصرة والكوفة، وأنزل فيها جنده من أهل الشام، ليحكم المصرين من موضع لا يملكه أيٌّ منهما.

وبقيت البصرة مع ذلك من أكبر مدن العراق. وفي ظل هذه الفتن نمت فيها حياة أخرى: حلقات في المسجد، وسوق على حافة البادية يجتمع فيه الشعراء، ونحو عربي يُكتب للمرة الأولى.

إلى الفهرس

الباب الثالث

القرنان ٨ و٩

  1. ٦٩هـ / ٦٨٨وفاة أبي الأسود الدؤلي
  2. ١١٠هـ / ٧٢٨وفاة الحسن البصري
  3. نحو ١٨٠هـ / ٧٩٦وفاة سيبويه
  4. ٢٥٥هـ / ٨٦٩وفاة الجاحظ في البصرة

مدرسة البصرة

يُروى أن أبا الأسود الدؤلي، قاضي البصرة، سمع قارئًا يخطئ في إعراب آية فيقلب معناها، فوضع بمداد مخالف نُقطًا فوق الحرف وتحته وأمامه تدل على حركته. ومن هذه الحكاية، صحّت تفاصيلها أم لم تصح، يبدأ النحو العربي، وتبدأ البصرة سيرتها مدينةً للعلم. كانت مدينة يدخلها كل يوم أناس لا يعرفون العربية، من الفرس والنبط والهنود والأفارقة، فكان لا بدّ للعربية أن تُدوَّن وتُقعَّد.

وفي القرن الثاني للهجرة بلغ هذا العمل ذروته عند الخليل بن أحمد الفراهيدي. استخرج الخليل أوزان الشعر العربي في خمسة عشر بحرًا، فوضع علم ، وبدأ أول معجم للعربية، «كتاب العين»، الذي رتّب الكلمات بحسب مخارج حروفها من الحلق إلى الشفتين، وجعل للحركات العلامات التي نكتبها اليوم: الفتحة والضمة والكسرة. وكان تلميذه سيبويه، الفارسي الأصل، هو الذي جمع علم أساتذته في «الكتاب»، أول كتاب كامل في النحو العربي، وما يزال يُسمّى «قرآن النحو».

وكانت للنحو في البصرة طريقة: أن يُقاس على ما كثر من كلام العرب، وأن يُردّ ما شذّ عنه. وفي الكوفة نشأت مدرسة أخرى تقبل الشاذّ إن سُمع. ودار بين المدرستين جدل طويل، أشهر حلقاته مناظرة بين سيبويه والكسائي، نحويّ الكوفة، في بغداد، عُرفت بـ«المسألة الزنبورية»، وخرج منها سيبويه مغلوبًا كما تروي الأخبار، فغادر العراق ومات بعدها بقليل.

وفي المسجد نفسه كانت حلقة الحسن البصري، الزاهد والواعظ والفقيه، الذي عاش أيام الفتن كلها وحذّر منها. ويروي الموروث أن تلميذه واصل بن عطاء خالفه في حكم مرتكب الكبيرة، فاعتزل الحلقة، فقال الحسن: «اعتزلَنا واصل». فسُمّي هو وأصحابه ، وصارت البصرة موطن أول مدرسة في علم الكلام تحتكم إلى العقل، ومنها خرج أبو الهذيل العلّاف والنظّام وغيرهما.

وفي البصرة عاشت رابعة العدوية، التي جعلت حبّ الله غاية العبادة، لا الخوف من النار ولا الطمع في الجنة، فصارت من أوائل أعلام التصوّف. وفيها فسّر ابن سيرين الأحلام، وقرأ أبو عمرو بن العلاء، أحد القرّاء السبعة، القرآنَ بقراءته التي ما يزال مسلمون يقرؤون بها.

وعلى طرف المدينة، حيث تنيخ القوافل الآتية من البادية، كان : سوق للإبل صار سوقًا للشعر. فيه تبارى الفرزدق، شاعر تميم البصري، وجرير في عقودًا، وجاءه الرواة واللغويون يأخذون اللغة من أفواه الأعراب. ومن البصرة خرج بعدُ بشّار بن برد، الشاعر الأعمى الذي فتح الشعر على المدينة وأهلها، وفيها نشأ أبو نواس قبل أن يمضي إلى بغداد.

وكان خاتمة هذا العصر وأبلغ صوت فيه أبو عثمان عمرو بن بحر، الجاحظ. وُلد في البصرة نحو سنة ٧٧٦ لأسرة فقيرة، ويُروى أنه باع الخبز والسمك على نهر سيحان، ثم كتب في كل شيء: في الحيوان، وفي البيان، وفي البخلاء، وفي فخر السودان على البيضان. وعاد إلى البصرة شيخًا مفلوجًا ومات فيها، ويقال إن كتبه سقطت عليه. ومن كتبه عرف المؤرخون البصرة من داخلها: أسواقها وبخلاءها ومعلّمي صبيانها، ومساجدها التي يتجادل فيها المتكلمون.٦

إلى الفهرس

الباب الرابع

٧٥٠–٨٦٩

  1. ١٣٢هـ / ٧٥٠قيام الدولة العباسية
  2. ١٤٥هـ / ٧٦٢بناء بغداد، وثورة إبراهيم بن عبد الله من البصرة
  3. ٢٣٧هـ / ٨٥١تدوين «أخبار الصين والهند»

ميناء الدنيا

حين قامت الدولة العباسية وبُنيت بغداد على دجلة سنة ٧٦٢، صارت البصرة بابها إلى البحر. كانت السفن الكبيرة ترسو عند الأبلّة أو في الخليج، وتُنقل حمولتها في زوارق تصعد النهر إلى بغداد، وكان أكثر ما يأتي العاصمة من الهند والصين وشرق أفريقيا يمرّ بالبصرة أو بجوارها.

وتذكر كتب الجغرافيين ما كانت تحمله تلك السفن: الفلفل والقرفة والقرنفل من الهند والجزر، والحرير والخزف من الصين، والعاج والذهب والعبيد من ساحل أفريقيا الشرقي، و الذي تُبنى منه السفن والبيوت. ويصف كتاب «أخبار الصين والهند»، الذي دُوّن سنة ٢٣٧ للهجرة (٨٥١م)، طريقًا بحريًا يبدأ من البصرة وسيراف، ويمرّ بمسقط وسواحل الهند وسرنديب، حتى يبلغ ميناء خانفو في جنوب الصين، في رحلة تستغرق شهورًا.

وحُفرت للبصرة في هذا العصر أنهار جديدة وغُرست بساتين، حتى صار الجغرافيون الذين زاروها في القرن العاشر يروون عن كثرة أنهارها أعدادًا لا تكاد تُصدَّق. وعلى هذه الأنهار امتدت البساتين من المدينة إلى الشط، وصار نخل البصرة ورطبها مضرب المثل.

ولم تكن البصرة في ذلك كله مدينة هادئة. ثار منها إبراهيم بن عبد الله، أخو محمد النفس الزكية، على المنصور سنة ١٤٥ للهجرة، فقُتل في باخمرى قرب الكوفة. وانتقل كثير من علمائها إلى بغداد، حيث المال والبلاط. لكنها بقيت طوال القرن التاسع ثانيةَ مدن العراق، وأغنى مدن الخليج، وسوقًا تلتقي فيها لغات كثيرة.

ومن هذا الميناء الحقيقي خرجت الحكاية. ففي «ألف ليلة وليلة» يُبحر السندباد البحري من البصرة في كل رحلة من رحلاته السبع، ويعود إليها محمّلًا بالعجائب والجواهر. الحكاية خيال، لكن الطريق والسفن والتجار الذين تناقلوا أخبار البحر في أسواق البصرة كانوا حقيقيين.

وكان وراء هذا الغنى ثمن لا يُرى في الحكايات. ففي السباخ المالحة قرب البصرة كان آلاف من المستعبَدين المجلوبين من شرق أفريقيا، الذين سُمّوا ، يكشطون القشرة المالحة عن الأرض ليُستصلح ما تحتها للزرع، في ظروف قاسية. ومن هناك جاءت أعنف ثورة عرفتها البصرة.

إلى الفهرس

الباب الخامس

٨٦٩–٩٢٣

  1. ٢٥٥هـ / ٨٦٩صاحب الزنج يعلن الثورة في السباخ
  2. ٢٥٧هـ / ٨٧١الزنج يدخلون البصرة
  3. ٢٧٠هـ / ٨٨٣سقوط المختارة ونهاية الثورة
  4. ٣١١هـ / ٩٢٣القرامطة ينهبون البصرة

ثورة الزنج والقرامطة

«بعد خراب البصرة»

مثل عربي يُضرب لما يأتي بعد فوات أوانه، ويربطه كثيرون بما جرى للمدينة في هذه السنوات.

في سنة ٢٥٥ للهجرة (٨٦٩م) ظهر في السباخ رجل اسمه علي بن محمد، ادّعى النسب إلى علي بن أبي طالب، ودعا الزنج العاملين في الأرض المالحة إلى الخروج على أسيادهم، ووعدهم بالحرية والمال والبيوت. فتبعه منهم الآلاف، وانضم إليهم فلاحون وبدو من المنطقة، وعرفته المصادر بـ«صاحب الزنج».٥٧

بنى الثوار لهم مدينة في الأهوار سمّوها المختارة، وقطعوا الطرق والأنهار، وهزموا الجيوش التي أُرسلت إليهم مرة بعد مرة، لأن الدولة العباسية كانت في تلك السنوات منشغلة بفوضى سامرّاء وحروب المشرق. وفي شوال سنة ٢٥٧ (أيلول ٨٧١م) دخلوا البصرة نفسها، فقتلوا وأحرقوا أيامًا، وتروي المصادر أن المسجد الجامع أُحرق، وأن من نجا من أهلها فرّ إلى البادية والقرى.

دامت الثورة أربعة عشر عامًا، ولم تنتهِ إلا حين قاد الموفّق، أخو الخليفة المعتمد والقائم بأمر الدولة، حملة طويلة على الأهوار، فحاصر المختارة حتى سقطت سنة ٢٧٠ للهجرة (٨٨٣م)، وقُتل صاحب الزنج.

ويختلف المؤرخون في قراءة هذه الثورة: هل كانت ثورة عبيد على العبودية، أم ثورة رجل طموح استعمل غضبهم؟ فقد استرقّ قادتها أنفسهم من أسروهم. لكن الثابت أنها كشفت ما كان تحت ثراء البصرة من قسوة، وأنها أضعفت المدينة إضعافًا لم تتعافَ منه تمامًا.

عاد الناس إلى البصرة وأعادوا بناءها، لكنها لم تعد كما كانت. وبعد أربعة عقود جاءها خراب آخر من الجهة الأخرى، من البحرين: ففي سنة ٣١١ للهجرة (٩٢٣م) دخلها القرامطة بقيادة أبي طاهر الجنّابي ليلًا، فنهبوها وقتلوا وسبوا، ثم أغاروا عليها بعد ذلك غير مرة.

إلى الفهرس

الباب السادس

٩٤٥–١٢٥٨

  1. القرن ١٠رسائل إخوان الصفا
  2. نحو ٩٦٥مولد ابن الهيثم في البصرة
  3. ١٠٥٨وفاة الماوردي
  4. ١١٢٢وفاة الحريري صاحب المقامات
  5. ١٢٥٨سقوط بغداد في يد المغول

علماء في مدينة تضيق

في منتصف القرن العاشر صار العراق في يد البويهيين، أمراء من الديلم حكموا باسم الخليفة، ثم في يد السلاجقة الأتراك منذ ١٠٥٥. وتعاقب على البصرة ولاة وأمراء محليون، وضعفت تجارتها حين مال جزء كبير من تجارة الهند إلى البحر الأحمر ومصر. لكن المدينة التي كانت تضيق عمرانًا بقيت واسعة علمًا.

ففيها، في القرن العاشر، كتب جماعة من العلماء لم يعلنوا أسماءهم «رسائل »: اثنتين وخمسين رسالة في الرياضيات والفلك والموسيقى والطبيعة والنفس والإلهيات، أرادوا بها أن يجمعوا الفلسفة والدين في موسوعة واحدة. وانتشرت الرسائل من البصرة حتى بلغت الأندلس.

وفيها وُلد ابن الهيثم نحو سنة ٩٦٥، ثم مضى إلى مصر في عهد الفاطميين، وكتب هناك «كتاب المناظر». بيّن فيه بالتجربة أن الرؤية تحدث بضوء يأتي العين من الأشياء، لا بشعاع يخرج من العين كما ظنّ كثير من القدماء، واستعمل ليُظهر أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة. وتُرجم كتابه إلى اللاتينية، وقرأه علماء أوروبا قرونًا.٨

ومن البصرة أيضًا أبو الحسن الماوردي، القاضي الشافعي الذي كتب «الأحكام السلطانية»، من أوائل الكتب المنهجية في نظام الحكم في الإسلام: الخلافة والوزارة والإمارة والقضاء والحسبة. كتبه في بغداد، لكنه حمل اسم مدينته كما حمله كل من خرج منها.

وفي القرن التالي عاش أبو محمد القاسم الحريري في البصرة، وكتب «المقامات»: خمسين حكاية مسجوعة عن أبي زيد السروجي، المحتال الفصيح الذي يتنقّل بين المدن، يرويها الحارث بن همّام. وجعل الحريري آخر مقاماته في البصرة، فوصفها وصف المحبّ لمدينته، وصارت المقامات من أكثر كتب العربية نسخًا وحفظًا وشرحًا.٩

وبعد قرن من موته، سنة ١٢٣٧، صوّر يحيى بن محمود الواسطي نسخة من المقامات صارت من أشهر المخطوطات المصوّرة في العالم الإسلامي، وفيها البصرة كما تخيّلها الرسّام: مكتبة وسفينة وقرية (وبعض صفحاتها في الصفحة الرئيسية). وبعد عشرين عامًا من ذلك، في ١٢٥٨، سقطت بغداد في يد المغول، وانتهى العصر الذي كانت فيه البصرة إحدى عواصم العلم.

إلى الفهرس

الجزء الثاني

بين الإمبراطوريات

١٢٥٨–١٩١٤

مدينة تنتقل من موضعها نحو النهر، ثم تصير ثغرًا تتنازعه الإمبراطوريات: العثمانيون من البر، والصفويون من الشرق، والأوروبيون الذين جاؤوا من البحر.

الباب السابع

١٢٥٨–١٥٤٦

  1. ١٢٥٨البصرة في حكم الإيلخانيين المغول
  2. ١٣٢٧ابن بطوطة في البصرة
  3. القرن ١٥العمران ينتقل إلى موضع البصرة الحالية
  4. ١٥٣٤العثمانيون في بغداد، وأمير البصرة يعلن طاعته

المدينة التي مشت إلى الماء

لم يُكتب عن البصرة في القرون التالية لسقوط بغداد إلا قليل. حكمها الإيلخانيون المغول، ثم الجلائريون، ثم التركمان من القره قوينلو والآق قوينلو، وكان لكل منهم في المدينة والٍ لا يكاد يُذكر. أما في الأهوار والبادية حولها، فكانت السلطة الحقيقية لزعماء القبائل العربية، ولإمارة المشعشعين في الحويزة إلى الشرق.

وجاءها ابن بطوطة سنة ١٣٢٧، فرأى مدينة ما تزال معروفة بنخلها وتمرها، لكنها أخذت تخلو، وصار جامعها القديم، الذي تنسبه الروايات إلى علي بن أبي طالب، بعيدًا عن العمران. ويروي أنه صلّى فيها الجمعة فلحن الخطيب في خطبته لحنًا كثيرًا، فلما ذكر ذلك للقاضي قال له إن البلد لم يبقَ فيه من يعرف شيئًا من النحو. مدينة سيبويه والخليل لم تعد تجد خطيبًا يُعرب.١٠

وفي هذه القرون حدث أغرب ما في تاريخ البصرة: انتقلت المدينة. أخذ الناس يتركون البصرة الأولى على حافة البادية، التي جفّت أنهارها وخربت محالّها، وينزلون إلى الشمال الشرقي منها، أقرب إلى الشط، على الأنهار التي تصل إليه. فلما استقر العمران الجديد، في القرن الخامس عشر أو نحوه، كانت البصرة الأولى قد صارت خرائب، وبقيت على حافتها بلدة صغيرة حول قبر الزبير بن العوام، هي الزبير.٤

ومنذ ذلك الحين صارت البصرة مدينة نهر لا مدينة بادية: بيوتها على الأنهار، وبساتينها على الشط، وتجارتها بالسفن. وهذه المدينة الثانية، لا الأولى، هي التي سيعرفها العثمانيون والأوروبيون، وستتسع بعد قرون حتى تبلغ والشط (وعلى خريطة المدينة المواضع الثلاثة).

وفي مطلع القرن السادس عشر كانت البصرة في يد أسرة من شيوخ المنتفق يُعرفون بآل مغامس. فلما دخل السلطان سليمان القانوني بغداد سنة ١٥٣٤، أرسل إليه أميرها راشد بن مغامس يعلن طاعته، فأقرّه السلطان عليها. لكن الطاعة لم تدم، وبعد سنوات قليلة جاء العثمانيون بأنفسهم.

إلى الفهرس

الباب الثامن

١٥٤٦–١٥٩٦

  1. ١٥٤٦العثمانيون يدخلون البصرة
  2. ١٥٥٢بيري رئيس يحاصر هرمز ثم يترك أسطوله في البصرة
  3. ١٥٥٤سيدي علي رئيس يخرج بالأسطول من الشط

ثغر العثمانيين في بحر البرتغاليين

في سنة ١٥٤٦ دخل العثمانيون البصرة وجعلوها يحكمها باشا يُرسَل من إسطنبول. كانت ثغرهم الوحيد على الخليج، وأبعد مدنهم في الجنوب الشرقي، وكانت في الوقت نفسه في مواجهة عدوّين: الصفويين في إيران، الذين نازعوهم العراق كله، والبرتغاليين الذين جاؤوا من البحر.

كان البرتغاليون قد دخلوا المحيط الهندي من حول أفريقيا، واستقروا في هرمز عند مدخل الخليج منذ ١٥١٥، فصاروا يتحكمون في من يدخل الخليج ومن يخرج منه، ويطلبون من سفن التجار رخصًا يدفعون ثمنها. فأراد العثمانيون أن يجعلوا من البصرة قاعدة لأسطول يكسر هذا الطوق.

وفي سنة ١٥٥٢ أبحر الأميرال بيري رئيس، صاحب الخرائط المشهورة، بأسطول من السويس، فحاصر قلعة هرمز ولم يأخذها، ثم دخل الخليج إلى البصرة وترك سفنه فيها وعاد إلى مصر، فأُعدم هناك. وبعد سنتين أُرسل سيدي علي رئيس ليعيد الأسطول من البصرة إلى السويس، فخرج من الشط ولقي البرتغاليين في بحر عُمان وقاتلهم، ثم ضربته عاصفة ألقته إلى سواحل الهند، فعاد إلى بلاده برًّا، وكتب قصة رحلته في كتاب سمّاه «مرآة الممالك».١١

لم يكسب العثمانيون حرب البحر، ولم يخسروا البصرة. واستقر بين الطرفين بعد ذلك شيء يشبه الهدنة: يحكم البرتغاليون البحر، ويحكم العثمانيون المدينة، وتعبر بينهما سفن التجار. ونما في هذه السنوات طريق للقوافل يصل البصرة بحلب عبر البادية، وصارت المدينة سوقًا لبضائع الهند، ومنها تُصدَّر الخيول العربية إلى الهند.

لكن الولاية بقيت صعبة الحكم. كانت القبائل في الأهوار والبادية تثور مرة بعد مرة، وكان الباشوات يُعزلون بسرعة، وبينها وبين إسطنبول مسيرة شهور. ومن هذا الفراغ خرجت في آخر القرن تجربة لم تعرفها ولاية عثمانية أخرى.

إلى الفهرس

الباب التاسع

١٥٩٦–١٦٦٨

  1. ١٥٩٦أفراسياب يشتري حكم البصرة
  2. ١٦٢٢الإنجليز والصفويون يطردون البرتغاليين من هرمز
  3. نحو ١٦٢٤–١٦٥٠عهد علي باشا، ذروة الإمارة
  4. ١٦٦٨جيش عثماني يُنهي الإمارة

إمارة آل أفراسياب

في سنة ١٥٩٦ اشترى أفراسياب، أحد وجهاء البصرة، حكمها من واليها العثماني الذي عجز عن إدارتها. والصفقة نفسها تقول كثيرًا عن البصرة: ولاية يرى واليها أن بيعها أنفع له من حكمها، ورجل من أهلها يرى أن حكمها يستحق الشراء.١٢

حكم أفراسياب، ثم ابنه علي باشا، ثم حفيده حسين باشا، قرابة سبعين عامًا. كانوا يرسلون إلى إسطنبول ولاءً اسميًا ويخطبون للسلطان، لكنهم يجمعون المال ويعقدون الأحلاف ويحاربون ويفاوضون بأنفسهم. وحين أخذ الشاه عباس الصفوي بغداد سنة ١٦٢٣ وأراد البصرة، استطاع آل أفراسياب أن يحفظوها بالمال والسياسة والسلاح.

وفي عهد علي باشا خاصة بلغت البصرة ذروة لم تعرفها منذ قرون. فتح الميناء لكل التجار: البرتغاليين، ثم الهولنديين والإنجليز الذين جاؤوا بعد أن طرد الإنجليز والصفويون البرتغاليين من هرمز سنة ١٦٢٢. وجاءت سفن الهند بالأقمشة والتوابل، وخرجت منها الخيول والتمور واللؤلؤ. وأقام في المدينة رهبان كرمليون، ووجدوا فيها جماعة قديمة من الصابئة المندائيين، فسمّوهم «مسيحيي القديس يوحنا».

ويُروى أن علي باشا كان يحب الشعر ويجالس الأدباء، فاجتمع في بلاطه شعراء من العراق والأحساء وإيران. وقامت في البصرة، تحت حكم الأسرة، مدينة متعددة اللغات والمذاهب، يعيش فيها سنّة وشيعة ومسيحيون ويهود وصابئة وهنود، وتلتقي فيها العربية والفارسية والتركية والبرتغالية.١٢

ثم ضاق الحال في عهد حسين باشا، فاختلف مع أقاربه ومع جيرانه، وأرسل الباب العالي جيشًا سنة ١٦٦٨ فهرب حسين، وعادت البصرة إلى الحكم العثماني المباشر. وفي العقود التالية تداولتها أيدٍ كثيرة: شيوخ المنتفق، والصفويون سنوات قليلة، ثم العثمانيون من جديد. لكن السبعين عامًا بقيت في ذاكرة المدينة أطول مدة حكمت فيها نفسها، وستعود هذه الذاكرة كلما طُرح سؤال الإقليم.

إلى الفهرس

الباب العاشر

١٦٦٨–١٨٣١

  1. ١٧٤٧بداية عهد المماليك في بغداد
  2. ١٧٧٣الطاعون الكبير
  3. ١٧٧٥–١٧٧٦الحصار الزندي ثلاثة عشر شهرًا
  4. ١٨٣١نهاية عهد المماليك

الطاعون والحصار والمماليك

في القرن الثامن عشر صارت البصرة تُحكم من بغداد. فقد استقل حكّام بغداد المماليك، وهم رجال من القوقاز، أكثرهم من الكرج، اشتُروا صغارًا ورُبّوا في بيوت الباشوات، بحكم العراق باسم السلطان، وكانوا يرسلون إلى البصرة «متسلّمًا» ينوب عنهم. وكان أول هذا الأمر مع حسن باشا وابنه أحمد باشا في مطلع القرن، ثم مع سليمان باشا أبي ليلة، أول الولاة المماليك، سنة ١٧٤٧.١٣

وفي هذه السنوات صار للأوروبيين في البصرة وكالات ثابتة. كانت لشركة الهند الشرقية الإنجليزية وكالة فيها منذ القرن السابع عشر، ثم صار لها مقيم دائم منذ ستينيات القرن الثامن عشر، فصار المقيم البريطاني مع الوقت من أهم رجال المدينة. ومرّ بها الرحالة الأوروبيون في طريقهم إلى الهند، فوصفوا أسواقها وبيوتها وأنهارها التي تمتلئ وتنحسر بالمدّ والجزر.١٤

ثم جاءت الكارثة. ففي سنة ١٧٧٣ ضرب الطاعون العراق، فمات في البصرة عدد عظيم، تقول بعض الروايات إنه بلغ أكثر أهلها، وفرّ من بقي إلى القرى والبادية، وخلت أسواقها شهورًا. ولم تكد المدينة تستعيد أنفاسها حتى جاءها جيش من إيران.

في ربيع ١٧٧٥ حاصر صادق خان الزند، أخو كريم خان حاكم إيران، البصرة بجيش كبير. ودافع عنها متسلّمها سليمان آغا وأهلها ثلاثة عشر شهرًا، حتى أكلوا ما وجدوا، ثم سلّموها في ربيع ١٧٧٦. وبقي الزنديون فيها حتى موت كريم خان سنة ١٧٧٩. وفي سنوات الحصار والاحتلال انتقل كثير من تجار البصرة وتجارتها إلى الكويت وموانئ الخليج الأخرى، ولم يعد بعضه.١٥١٤

أما سليمان آغا، الذي أُخذ أسيرًا إلى شيراز، فعاد بعد موت كريم خان ليصبح واليًا على بغداد والبصرة معًا سنة ١٧٨٠، وهو الذي يعرفه المؤرخون بسليمان باشا الكبير. حكم العراق اثنين وعشرين عامًا. وفي عهده وعهود من جاء بعده تعرّضت الزبير وأطراف البصرة لغارات من نجد، وظلت قبائل المنتفق قوة يُحسب حسابها في الجنوب كله.

وانتهى عهد المماليك سنة ١٨٣١، حين أرسل السلطان محمود الثاني علي رضا باشا إلى بغداد، في سنة ضربها الطاعون والفيضان معًا، فأنهى حكمهم وأعاد العراق إلى إدارة إسطنبول المباشرة.

إلى الفهرس

الباب الحادي عشر

١٨٣١–١٩١٤

  1. ستينيات القرن ١٩البواخر في دجلة، وخطّ بحري منتظم إلى بومباي
  2. ١٨٦٩افتتاح قناة السويس
  3. ١٨٧١حملة مدحت باشا على الأحساء
  4. ١٨٨٤البصرة ولاية قائمة بذاتها
  5. ١٩١٣جمعية البصرة الإصلاحية

ولاية البصرة: البخار والتمر

في القرن التاسع عشر جاءت البصرةَ آلةٌ غيّرت معنى المسافة: الباخرة. ففي ستينيات القرن صارت بواخر شركة بريطانية، عُرفت باسم أصحابها آل لنش، تصعد دجلة بين البصرة وبغداد، وصار خطّ بحري منتظم يصل البصرة ببومباي. ثم افتُتحت قناة السويس سنة ١٨٦٩، فقصر الطريق إلى أوروبا، وصارت البصرة ميناءً يصدّر إلى العالم.١٦

وكان ما تصدّره قبل كل شيء التمر. امتدت بساتين النخيل على ضفتي شط العرب من القرنة إلى الفاو، وصار تمر البصرة يُشحن في الخريف إلى الهند وأوروبا وأمريكا، حتى قيل إن أكثر تمر العالم في تلك الأيام كان يأتي منها. وخرجت معه الحبوب والصوف والخيول، وجاءت في المقابل الأقمشة الإنجليزية والسكّر والشاي والنفط الأبيض.

ومع التجارة نما العشّار. كانت البصرة القديمة، المدينة العثمانية المسوّرة، على بعد بضعة كيلومترات من الشط، على نهر يحمل اسمها. أما عند مصبّ نهر العشّار في الشط، حيث ترسو البواخر، فقامت الجمارك والمخازن ووكالات الشركات، وبيوت التجار الجدد ذات ، وصار هذا الطرف مع الوقت مركز المدينة الحديثة.

وأعادت الدولة العثمانية في هذه السنوات تنظيم أقاليمها. ففي ١٨٧١ أرسل مدحت باشا، والي بغداد المصلح، حملة إلى الأحساء على ساحل الخليج، وأُلحقت بعد ذلك بالبصرة. وفي ١٨٨٤ صارت البصرة ولاية قائمة بذاتها، إلى جانب ولايتي بغداد والموصل، تمتد من العمارة والناصرية إلى الأحساء. ومن هذه الولايات الثلاث سيُصنع العراق بعد ثلاثة عقود.١٣

وكانت البصرة في آخر هذا العهد مدينة يتقاسم وجاهتها ثلاثة رجال: السيد طالب ، ابن الأسرة التي تتولّى نقابة الأشراف فيها، وأقوى رجالها؛ والشيخ خزعل، أمير المحمّرة على الضفة الأخرى من الشط؛ والشيخ مبارك الصباح، حاكم الكويت، الذي كانت له ولأسرته بساتين نخيل واسعة في الفاو. ثلاثة رجال على ثلاث ضفاف، ومدينة واحدة يتجه إليها الماء والمال.

وفي ١٩١٣ أسّس طالب النقيب «جمعية البصرة الإصلاحية»، فطالبت بإدارة تكون فيها شؤون الولاية بيد أهلها، والعربية لغة دواوينها ومدارسها. لكن الدولة العثمانية كانت تعيش سنواتها الأخيرة، ولم يمضِ عام حتى وصلت السفن الحربية البريطانية إلى مصبّ الشط.١٧

إلى الفهرس

الجزء الثالث

البصرة في العراق الحديث

١٩١٤ – اليوم

قرن من الاحتلال والاستقلال والنفط والحرب: البصرة تصير ميناء دولة جديدة اسمها العراق، ثم أغنى مدنها بما تحت أرضها، وأكثرها تعبًا مما فوقها.

الباب الثاني عشر

١٩١٤–١٩٤٥

  1. ٦ تشرين الثاني ١٩١٤إنزال بريطاني في الفاو
  2. ٢٢ تشرين الثاني ١٩١٤القوات البريطانية تدخل البصرة
  3. نيسان ١٩١٥معركة الشعيبة
  4. ١٩٢١عريضة الانفصال، ثم المملكة العراقية
  5. ١٩٣٢العراق في عصبة الأمم

الحرب الكبرى والمملكة

في ٦ تشرين الثاني ١٩١٤، بعد أيام من دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى، نزلت قوة من الجيش البريطاني الهندي في الفاو، ثم صعدت الشط، فدخلت البصرة في ٢٢ تشرين الثاني. كان الهدف المعلن حماية مصفاة النفط في عبادان، على الضفة الأخرى من الشط، وطريق الهند.

وفي نيسان ١٩١٥ حاول العثمانيون، ومعهم متطوعون من العشائر ورجال الدين، استعادة المدينة، فهُزموا في معركة الشعيبة غرب البصرة. ثم مضى البريطانيون شمالًا نحو بغداد، فحوصروا في الكوت سنة ١٩١٦ واستسلموا، ثم عادوا بجيش أكبر فدخلوا بغداد في آذار ١٩١٧. وطوال الحرب كانت البصرة القاعدة التي يأتي منها كل شيء: الجنود والطعام والذخيرة والبواخر.١٨

وغيّرت الحرب وجه المدينة. بنى البريطانيون أرصفة حديثة للميناء في المعقل على الشط، فصار ميناء البصرة من أكبر موانئ الخليج، ومدّوا سكة حديد إلى بغداد، وأنشؤوا مطارًا وقاعدة جوية في الشعيبة. وجاء معهم آلاف العمال والجنود من الهند، فبقي بعضهم، وما يزال سوق في العشّار يحمل اسم «سوق الهنود».

وحين انتهت الحرب وبدأ البريطانيون يرسمون مستقبل البلاد، تقدّم وجهاء البصرة وتجارها سنة ١٩٢١ بعريضة يطلبون فيها أن تكون البصرة، من الفاو إلى القرنة، كيانًا مستقلًا تحت الحماية البريطانية، على مثال الكويت. لكن لندن وبغداد أرادتا دولة واحدة، فضُمّت البصرة إلى المملكة العراقية التي تُوّج فيصل الأول ملكًا عليها في آب من العام نفسه. أما طالب النقيب، الذي كان يطمح إلى حكم العراق كله، فقد نفاه البريطانيون قبل ذلك بأشهر إلى سيلان.١٧

ودخل العراق عصبة الأمم دولةً مستقلة سنة ١٩٣٢، لكن البريطانيين احتفظوا بقاعدتهم في الشعيبة وبيد قوية على الميناء، وعادوا إلى البصرة بجيشهم في ربيع ١٩٤١ حين استولى رشيد عالي الكيلاني ورفاقه على الحكم في بغداد. وفي الحرب العالمية الثانية صار ميناء البصرة من الطرق التي حُمل منها السلاح والمؤن إلى الاتحاد السوفيتي عبر إيران.

إلى الفهرس

الباب الثالث عشر

١٩٣٨–١٩٧٩

  1. ١٩٣٨تأسيس شركة نفط البصرة
  2. ١٩٥١أول نفط يُصدَّر من حقل الزبير
  3. ١٩٥٨ثورة ١٤ تموز
  4. ١٩٦٤تأسيس جامعة البصرة
  5. ١٩٧٥اتفاقية الجزائر على حدود الشط

بندقية الشرق

الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها، والظلام

حتى الظلامُ هناك أجملُ، فهو يحتضنُ العراق

بدر شاكر السيّاب، «غريب على الخليج»

في ١٩٣٨ تأسست شركة نفط البصرة، فرعًا من شركة نفط العراق التي تملكها شركات بريطانية وأمريكية وفرنسية وهولندية، لتبحث عن النفط في الجنوب. فوجدته في الزبير قرب البصرة الأولى، وبدأ التصدير منه سنة ١٩٥١، ثم اكتُشف حقل الرميلة الكبير غرب المدينة. ومنذ ذلك الحين صار تحت رمال البصرة أكبر ثروة في العراق.١٨

لكن البصرة في ذاكرة أهلها في هذه العقود ليست مدينة النفط بل مدينة الماء. كانت أنهارها الصغيرة ما تزال تخترق المدينة، تعبرها جسور خشبية وتجوبها ، ومن هنا لقّبها الزائرون «بندقية الشرق». وامتد الكورنيش على الشط، وقامت في العشّار المقاهي ودور السينما والمكتبات، وتجاورت في أسواقها الكنائس والمساجد ومحالّ الصاغة الصابئة وتجّار الهنود. ولتلك البصرة صور كثيرة في الأرشيف.

وكانت مدينة يعيش فيها اليهود والمسيحيون والصابئة المندائيون والأرمن إلى جانب المسلمين، سنّةً وشيعة. وكان ليهود البصرة شأن في تجارتها، حتى غادر أكثرهم العراق في ١٩٥٠ و١٩٥١، بعد قانون أجاز لهم الهجرة إن أسقطوا جنسيتهم، ثم قانون جمّد أملاك من رحل منهم. وبرحيلهم بدأ تفرّق المدينة المتعددة الذي سيكمله نصف القرن التالي.١٩

وفي هذه المدينة نشأ بدر شاكر السيّاب، ابن قرية جيكور على نهر بويب في أبي الخصيب. كتب سنة ١٩٤٧ قصيدة «هل كان حبًّا»، التي تُعدّ مع «الكوليرا» لنازك الملائكة من أولى قصائد الشعر الحر في العربية، ثم كتب «أنشودة المطر» و«غريب على الخليج»، ومات في الكويت سنة ١٩٦٤ مريضًا، ويُروى أن جثمانه وصل إلى البصرة في يوم ممطر. ومن البصرة أيضًا سعدي يوسف ومحمود البريكان ومحمد خضير، فالمدينة التي خرج منها علم العروض هي نفسها التي خرج منها الشعر الحر.

وجاءت ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ فأنهت الملكية، وتوالت على العراق الانقلابات حتى استقر الحكم لحزب البعث سنة ١٩٦٨. وفي ١٩٦٤ تأسست جامعة البصرة، وفي الستينيات والسبعينيات بُني ميناء أم قصر على خور الزبير. وفي ١٩٧٢ أمّمت الحكومة شركة نفط العراق، ثم أمّمت شركة نفط البصرة بالكامل سنة ١٩٧٥، فصار نفط الجنوب كله للدولة، وجاءت مع ارتفاع أسعار النفط سنوات وفرة لم تعرفها المدينة من قبل.

وفي ١٩٧٥ وقّع العراق وإيران اتفاقية الجزائر، فجُعل خط الحدود في شط العرب في منتصف مجراه الصالح للملاحة، بعد أن كان العراق يعدّ الشط كله نهرًا عراقيًا. بدت الاتفاقية نهاية لخلاف قديم، لكنها لم تدم إلا خمس سنوات.

إلى الفهرس

الباب الرابع عشر

١٩٨٠–٢٠٠٣

  1. أيلول ١٩٨٠بداية الحرب العراقية الإيرانية
  2. ١٩٨٦–١٩٨٨الفاو في يد إيران
  3. ١٩٨٧معارك شرق البصرة
  4. آذار ١٩٩١الانتفاضة الشعبانية
  5. التسعينياتالحصار، وتجفيف الأهوار

سنوات النار

في أيلول ١٩٨٠ ألغى صدام حسين اتفاقية الجزائر وأرسل جيشه إلى إيران. وكانت البصرة، على بعد كيلومترات من الحدود، أقرب مدن العراق الكبرى إلى الحرب. فبعد أن استعادت إيران المحمّرة سنة ١٩٨٢، صارت الحرب تدور على أبواب البصرة، وصارت المدينة تُقصف بالمدفعية سنوات.٢٠

وفي شباط ١٩٨٦ عبرت القوات الإيرانية الشط واحتلت شبه جزيرة الفاو، فقُطع العراق عن البحر تقريبًا. وفي مطلع ١٩٨٧ شنّت هجومها الأكبر شرق البصرة، حول بحيرة صناعية سمّاها العراقيون «بحيرة الأسماك»، وقُتل في أسابيع عشرات الآلاف من الجانبين. ولم تُستعد الفاو إلا في نيسان ١٩٨٨، قبل أشهر من وقف إطلاق النار.

وكانت البساتين أكبر الخاسرين. قُطع النخيل على الضفتين لتنكشف خطوط القتال، واحترق بالقصف، وماتت بساتين كثيرة حين انقطع عنها الماء العذب أو تسرّب إليها الملح. ومن عشرات ملايين النخيل التي كان العراق يعدّها قبل الحرب ضاع جزء كبير في البصرة وحدها، وهُجرت قرى في أبي الخصيب والفاو، وتضرّرت بيوت القديمة في المدينة.

ثم جاء آب ١٩٩٠، فاحتل العراق الكويت، وصارت البصرة خلف الجبهة مرة أخرى. وفي شتاء ١٩٩١ قُصفت جسورها ومصافيها ومحطات مائها، وانسحب الجيش العراقي من الكويت على الطريق إليها تحت القصف. وفي الأيام الأولى من آذار خرج جنود منسحبون وأهل المدينة على السلطة، وتروي شهادات كثيرة أن جنديًا أطلق النار على صورة كبيرة لصدام في ساحة سعد، فكانت تلك شرارة الانتفاضة التي عمّت الجنوب، وسُمّيت «الشعبانية» لوقوعها في شهر شعبان. وقُمعت في أسابيع بعنف شديد.٢١

وفي التسعينيات جاءت سنوات الحصار الدولي: تضاءلت الرواتب، وانقطعت الكهرباء، وتلوّث الماء، وهاجر كثيرون. وجفّفت الحكومة شمال البصرة بالسدود والقنوات، ومنها قناة كبيرة سُمّيت «النهر الثالث»، فلم يبقَ منها بحلول سنة ٢٠٠٠ إلا نحو عُشرها، وتشتّت أهلها الذين عاشوا فيها مع الجاموس والقصب آلاف السنين.٢٢

إلى الفهرس

الباب الخامس عشر

٢٠٠٣ – اليوم

  1. نيسان ٢٠٠٣القوات البريطانية تدخل البصرة
  2. آذار ٢٠٠٨صولة الفرسان
  3. ٢٠٠٩عقود النفط الكبرى
  4. صيف ٢٠١٨صيف العطش
  5. كانون الثاني ٢٠٢٣خليجي ٢٥ في البصرة

بعد ٢٠٠٣

في آذار ٢٠٠٣ عبرت القوات الأمريكية والبريطانية الحدود من الكويت، وحاصر البريطانيون البصرة أسبوعين ثم دخلوها في نيسان، بعد تسعة وثمانين عامًا من دخولهم الأول. وبقوا مسؤولين عن أمن المحافظة حتى سلّموه إلى العراقيين في كانون الأول ٢٠٠٧.٢٣

كانت تلك سنوات صعبة. تقاسمت الأحزاب والميليشيات المدينة وأرصفة مينائها، وقُتل كثير من أساتذتها وأطبائها، وغادرها كثير ممن بقي من مسيحييها وصابئتها. وفي آذار ٢٠٠٨ قاد رئيس الوزراء نوري المالكي حملة عسكرية سُمّيت «صولة الفرسان»، فعادت الدولة إلى الشوارع بعد أسابيع من القتال.٢٤

وفي ٢٠٠٩ وقّعت الحكومة عقودًا كبرى مع شركات النفط العالمية لتطوير حقول الرميلة وغرب القرنة ومجنون وغيرها، فارتفع إنتاج البصرة حتى صار يخرج منها معظم نفط العراق، أي معظم مال الدولة. لكن المدينة التي يمرّ بها هذا المال بقيت تشكو انقطاع الكهرباء وملوحة الماء وقلّة العمل.

وفي صيف ٢٠١٨ بلغت ملوحة الشط حدًّا لم يعد معه ماء الإسالة صالحًا، فنُقل أكثر من مئة ألف من أهل البصرة إلى المستشفيات، وخرج الناس في احتجاجات واسعة أُحرقت فيها مقارّ أحزاب ومبانٍ حكومية. وعادت البصرة إلى الاحتجاج مع مدن الجنوب وبغداد في تشرين الأول ٢٠١٩. ومن هذه السنوات عاد سؤال قديم بصيغة جديدة: أن تصير البصرة .٢٥

لكن البصرة ليست قصة أزمات فقط. ففي كانون الثاني ٢٠٢٣ استضافت كأس الخليج، أول بطولة خليجية على أرض العراق منذ ١٩٧٩، ففتح أهلها بيوتهم لمشجّعين جاؤوا من الخليج كله، وفاز العراق باللقب على ملعب «جذع النخلة». وعلى ساحل الفاو يُبنى ميناء كبير يُراد له أن يصل الخليج بأوروبا، عبر طريق وسكك تمتد شمالًا في العراق حتى تركيا.٢٦

إلى الفهرس

خاتمة

مدينة على الماء

قامت البصرة ثلاث مرات في ثلاثة مواضع: على حافة البادية حيث نزل جند عتبة بن غزوان، ثم على الأنهار في البصرة القديمة، ثم على الشط في العشّار والمعقل. وفي كل مرة كان الماء هو ما يقيمها ويهدّدها: الأنهار التي حُفرت لتسقيها، والسفن التي حملت ثروتها، والملح الذي يصعد في شطّها اليوم.

وفي كل مرة كانت المدينة أوسع من القبيلة والطائفة واللغة. ففيها التقى العرب بالفرس والهنود والأفارقة والأتراك والأوروبيين، ومنها خرجت قواعد العربية، وكتب العقل، وأول الشعر الحر. ولذلك يصعب أن تُكتب لها قصة واحدة: فهي مدينة عربية ومدينة خليجية، ثغر العراق وبابه إلى العالم، تنظر إلى البحر أكثر مما تنظر إلى الداخل.

وهذه القصة مدخل إلى ذلك التاريخ، لا آخر الكلام فيه. ولمن أراد أن يرى المدينة الخريطة، ولصورها القديمة الأرشيف، ولكلماتها المحلية المعجم.

إلى الفهرس

المصادر

الأرقام الصغيرة في المتن تحيل إلى هذه القائمة، مرتّبةً بحسب أول ورودها.

  1. ديو كاسيوس، «التاريخ الروماني»، الكتاب ٦٨، الفصلان ٢٨–٢٩، عن بلوغ تراجان الخليج. وله ترجمة إنجليزية في سلسلة Loeb Classical Library.
  2. البلاذري، «فتوح البلدان»، باب «تمصير البصرة».
  3. ياقوت الحموي، «معجم البلدان»، مادة «البصرة».
  4. مادة «البصرة»، دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الثانية (بريل).
  5. الطبري، «تاريخ الرسل والملوك»، حوادث سنة ٣٦ هـ، وحوادث السنوات ٢٥٥–٢٧٠ هـ.
  6. شارل بيلا، Le milieu baṣrien et la formation de Ǧāḥiẓ (باريس، ١٩٥٣)، وله ترجمة عربية.
  7. ألكسندر بوبوفيتش، The Revolt of African Slaves in Iraq in the 3rd/9th Century (ماركوس فينر، ١٩٩٩).
  8. عبد الحميد صبرة (مترجمًا)، The Optics of Ibn al-Haytham, Books I–III: On Direct Vision (معهد واربورغ، ١٩٨٩).
  9. ابن كثير، «البداية والنهاية»، الجزء الثاني عشر، حوادث سنة ٥١٦ هـ، ترجمة «الحريري صاحب المقامات». الرابط
  10. ابن بطوطة، «تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، خبر دخوله البصرة.
  11. سيدي علي رئيس، «مرآة الممالك» (١٥٥٧)، وله ترجمة إنجليزية بعنوان The Travels and Adventures of the Turkish Admiral Sidi Ali Reïs (لندن، ١٨٩٩).
  12. رودي ماثي، Between Arabs, Turks and Iranians: The Town of Basra, 1600–1700، مجلة مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية ٦٩: ١ (٢٠٠٦). الرابط
  13. ستيفن لونغريغ، Four Centuries of Modern Iraq (مطبعة جامعة أكسفورد، ١٩٢٥).
  14. ثابت عبد الله، Merchants, Mamluks, and Murder: The Political Economy of Trade in Eighteenth-Century Basra (مطبعة جامعة ولاية نيويورك، ٢٠٠١).
  15. مادة Karim Khan Zand، الموسوعة الإيرانية (Encyclopaedia Iranica). الرابط
  16. هالة فتّاح، The Politics of Regional Trade in Iraq, Arabia, and the Gulf, 1745–1900 (مطبعة جامعة ولاية نيويورك، ١٩٩٧).
  17. ريدار فيسر، Basra, the Failed Gulf State: Separatism and Nationalism in Southern Iraq (لِت فيرلاغ، ٢٠٠٥). الرابط
  18. تشارلز تريب، A History of Iraq (مطبعة جامعة كامبريدج، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٧).
  19. أوريت بشكين، New Babylonians: A History of Jews in Modern Iraq (مطبعة جامعة ستانفورد، ٢٠١٢).
  20. بيير رازو، The Iran-Iraq War (مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠١٥).
  21. هيومن رايتس ووتش، Endless Torment: The 1991 Uprising in Iraq and Its Aftermath (حزيران ١٩٩٢).
  22. حسن بارتو، The Mesopotamian Marshlands: Demise of an Ecosystem (برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ٢٠٠١). الرابط
  23. الجزيرة، تقرير عن تسليم القوات البريطانية أمن البصرة إلى العراقيين، ١٦ كانون الأول ٢٠٠٧. الرابط
  24. لجنة الدفاع في مجلس العموم البريطاني، التقرير الخامس عشر لدورة ٢٠٠٧–٢٠٠٨، عن عملية «صولة الفرسان». الرابط
  25. هيومن رايتس ووتش، Basra is Thirsty: Iraq’s Failure to Manage the Water Crisis (تموز ٢٠١٩). الرابط
  26. المونيتور، تقرير عن فوز العراق بكأس الخليج الخامسة والعشرين في البصرة، كانون الثاني ٢٠٢٣. الرابط